القرطبي

212

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

بمثل ما جئت به ليتبين للناس أن ما أتيت به ليس من عند الله . ( فاجعل بيننا وبينك موعدا ) هو مصدر ، أي وعدا . وقيل : الموعد اسم لمكان الوعد ، كما قال تعالى : " وإن جهنم لموعدهم أجمعين " ( 1 ) [ الحجر : 43 ] فالموعد ها هنا مكان . وقيل : الموعد اسم لزمان الوعد ، كقوله تعالى : " إن موعدهم الصبح " ( 2 ) [ هود : 81 ] فالمعنى : اجعل لنا يوما معلوما ، أو مكانا معروفا . قال القشيري : والأظهر أنه مصدر ولهذا قال : ( لا نخلفه ) أي لا نخلف ذلك الوعد ، والاخلاف أن يعد شيئا ولا ينجزه . وقال الجوهري : والميعاد المواعدة والوقت والموضع وكذلك الموعد . وقرأ أبو جعفر بن القعقاع وشيبة والأعرج : " لا نخلفه " بالجزم جوابا لقوله " اجعل " . ومن رفع فهو نعت ل‍ " - موعد " والتقدير : موعدا غير مخلف . ( مكانا سوى ) قرأ ابن عامر وعاصم وحمزة " سوى " بضم السين . الباقون بكسرها ، وهما لغتان مثل عدا وعدا وطوى وطوى . واختار أبو عبيد وأبو حاتم كسر السين لأنها اللغة العالية الفصيحة . وقال النحاس : والكسر أعرف وأشهر . وكلهم نونوا الواو ، وقد روي عن الحسن ، واختلف عنه ضم السين بغير تنوين . واختلف في معناه فقيل : سوى هذا المكان ، قاله الكلبي . وقيل : مكانا مستويا يتبين للناس ما بيناه فيه ، قاله ابن زيد . ابن عباس : نصفا . مجاهد : منصفا ، وعنه أيضا وقتادة عدلا بيننا بينك . وقال النحاس : وأهل التفسير على أن معنى " سوى " نصف وعدل وهو قول حسن ، قال سيبويه يقال : سوى وسوى أي عدل ، يعنى مكانا عدل ، بين المكانين فيه النصفة ، وأصله من قولك : جلس في سواء الدار بالمد أي في وسطها ، ووسط كل شئ أعدله ، وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم : " وكذلك جعلناكم أمة وسطا " ( 3 ) [ البقرة : 143 ] أي عدلا ، وقال زهير : أرونا خطة لا ضيم فيها * يسوي بيننا فيها السواء وقال أبو عبيدة والقتبي : وسطا بين الفريقين ، وأنشد أبو عبيدة لموسى بن جابر الحنفي : وإن أبانا كان حل ببلدة * سوى بين قيس قيس عيلان والفزر والفزر : سعد بن زيد مناة بن تميم . وقال الأخفش : " سوى " إذا كان بمعنى غير أو بمعنى العدل يكون فيه ثلاث لغات : إن ضممت السين أو كسرت قصرت فيهما جميعا . وإن فتحت مددت ، تقول : مكان سوى وسوى وسواء ، أي عدل ووسط فيما بين الفريقين . قال موسى بن جابر :

--> ( 1 ) راجع ج 10 ص 29 فما بعد . ( 2 ) راجع ج 9 ص 81 ( 2 ) راجع ج 2 ص 153